تركيا والعراق وفرص التعاون الضائعة

Date of publication:
2021 July 19

اضغط هنا لتحميل المقال بصيغة pdf

 

واثق السعدون
خبير دراسات العراق في مركز دراسات الشرق الأوسط في أنقرة ORSAM

مقدمة
     منذ تأسيس العراق وتركيا كدول حديثة، العراق في 1921، وتركيا في 1923، وبرغم وجود روابط مشتركة عديدة بين البلدين، أهمها رابطة الجوار الجغرافي، والتاريخ المشترك، والروابط الدينية والاجتماعية، وبرغم محدودية المشاكل والقضايا العالقة بينهما، إلا أن العلاقات بين البلدين ظلت تراوح بين مسارين فقط، إما مسار التعاون "التقليدي"، أو مسار الخلافات "المحدودة" التي تؤدي إلى جمود العلاقات. لم ترقَ العلاقات بين البلدين إلى مسارات متقدمة أو خطوات استراتيجية في التعاون، ولحسن الحظ لم تنحدر علاقاتهما إلى مرحلة المواجهة المباشرة أو المسارات الصراعية.
    طوال عقود مضت تقاسم البلدان مسؤولية ضياع فرص تاريخية لتأسيس أطر استراتيجية للتعاون والتنسيق السياسي، والأمني، والاقتصادي، لو كان تم استثمارها.. لأنتجت فوائد عظيمة لمصالح الشعبين العراقي والتركي، ولكانت جنبت البلدين الكثير من المشاكل والأزمات. تركيا مهمة للعراق، والعراق مهم لتركيا، يكفي أن نتذكر بأن تركيا هي المنبع الرئيس لشريان حياة العراقيين، الماء، وأن العراق هو بوابة تركيا الرئيسة نحو الخليج العربي. 
    ما هي السبل لكسر هذا الجمود وهذه الرتابة في طبيعة العلاقات العراقية - التركية المعاصرة؟ ما هي السبل لإيقاف دوران القضايا العالقة بين البلدين منذ عقود في حلقة مفرغة من التكرار الممل لإثارة نفس المشاكل، وتبادل نفس الاتهامات، وطرح نفس الحلول القاصرة غير الناجعة؟ ما هي السبل لتجنب استمرار البلدين بالمسلسل التاريخي لضياع فرص التعاون المثمر بينهما؟ هل هنالك رؤى جديدة لتطوير وتحسين العلاقات بين البلدين؟ ستحاول المقالة التي بين يديكم قدر المستطاع الإجابة عن هذه التساؤلات، من خلال مناقشة العوامل المؤثرة في العلاقات بين البلدين، وأبعادها المختلفة، وتفاعلاتها الحالية، وآفاقها المستقبلية، مع طرح رؤى لحل المشاكل العالقة وتحسين العلاقات بينهما.
    سيجد القراء الكرام بأنَّ خطاب هذه المقالة إيجابي ويدعو للتقارب والتعاون بين البلدين الجارين، العراق وتركيا، وربما بعض القراء سيرون المقالة مفرطة في الإيجابية، وسيتسرَّع البعض بالحكم على هذه المقالة بأنَّها تميل إلى جانب تركيا، كونها كتبت من باحث عراقي مقيم في تركيا ويعمل في مركز دراسات تركي، وهذا اختلاف طبيعي مقبول في الرأي، ونحن نرى بأنَّه لا ضير في الدعوة إلى التقارب والتعاون ونبذ الخصومات والخلافات من أجل تبادل المصالح بين البلدان والشعوب، بدلاً من التأجيج والتحريض الذي لن يقود إلى تعميق الخلافات والخصومات التي لن يربح منها أي طرف، فضلاً عن اعتقادنا بأن ما ستجدونه في هذه المقالة من أفكار تمثّل مصالح عراقية - تركية مشتركة، وليست مصالح تركية فقط. في عالمنا الحالي، المليء بالتوترات والأزمات، تعد محاولات البحث عن السلام والوئام والتعاون وخلق الأجواء المناسبة لتبادل المصالح بين الدول تحدياً كبيراً ومهمةً صعبة، مقارنة بسهولة الانقياد إلى الخلافات وتبادل الاتهامات.

العلاقات العراقية – التركية.. الحاجة إلى كسر القيود القديمة والانطلاقة الجديدة
    لطالما وضعت العوامل والظروف الدولية والإقليمية وبعض الأطراف المحلية في العراق وتركيا، قيوداً ومحددات على مساعي تطوير وتحسين العلاقات بين العراق وتركيا، والمفارقة أن تلك العوامل كانت تنطوي في مجملها على تأثيرات وعناصر خارجية غير مرتبطة بالمصالح المشتركة للبلدين، ولكنها كانت قادرة على إضعاف زخم العلاقات بين البلدين، وإجبارهما على الدخول في نفق الخصومة والخلافات. لذلك فإنَّ العلاقات بين البلدين بحاجة إلى انطلاقة جديدة، تستند إلى إرادة حقيقية لإعادة تقييم مصالحهما المشتركة، وفق رؤية واقعية موضوعية للتحديات التي يواجهانها، والفرص المتاحة أمامهما للتعاون. 
   دائماً كانت هنالك جهات داخلية وشخصيات تسعى إلى توتير العلاقات بين العراق وتركيا والإساءة إليها، في داخل كلا البلدين. ففي العراق هنالك أطراف مرتبطة بأجندات خارجية تسعى لإضعاف العلاقات بين البلدين، ضمن إطار التنافس الإقليمي في الساحة العراقية، أو طبقاً لمنطلقات طائفية ضيقة الأفق. وفي تركيا أيضاً تصدر بين الحين والآخر مواقف وتصريحات تسيء لمساعي تحسين العلاقات العراقية - التركية، من بعض السياسيين والشخصيات العامة وكتّاب الرأي الأتراك، من منطلقات قومية موتورة، أو نتيجة رؤى سياسية متسرعة وخاطئة. لذلك فإن منع تلك الأطراف من التشويش على مساعي تطوير العلاقات بين البلدين، ومحاصرة التأثير السلبي لنشاطاتهم، سياسياً وإعلامياً، تعد من المستلزمات المهمة للانطلاقة الجديدة في العلاقات العراقية - التركية. ومن جهة أخرى، على حكومات البلدين، باستمرار، تبادل توضيح الحدود الفاصلة بين المواقف الرسمية الحكومية، وبين المواقف التي تصدر من بعض الأطراف لغرض الاستهلاك الإعلامي والعروض السياسية.
     في السنوات الأخيرة حصل تطور في أساليب وأدوات العلاقات الدبلوماسية بين البلدان، فلم يعد النشاط الدبلوماسي يقتصر على القنوات التقليدية، المتمثلة بـوزارات الخارجية والسفارات والقنصليات، فقد أصبح هنالك قنوات رديفة للعمل على إدامة التواصل وتهيئة بيئة مناسبة للتفاهم وحل المشاكل بين البلدان، وإن مخرجات عمل هذه القنوات الرديفة ساهمت في صياغة العديد من القرارات والمواقف بين الدول، ومن أهم هذه القنوات الرديفة هي الأنشطة الأكاديمية - البحثية المشتركة بين البلدان، المؤتمرات والندوات والبرامج وورش العمل المشتركة، أو ما أصبح يعرف بـ(الدبلوماسية الأكاديمية)، إذ إن الأنشطة الأكاديمية - البحثية المشتركة تحقق عدة أهداف لصالح تحسين العلاقات بين الدول، فهي تساعد في تبادل الرؤى والأفكار والمقترحات بخصوص أي مشكلة بين بلدين ما، بموضوعية بعيدة عن تشنج المواقف السياسية، كما أنّها تمثل قناة للتواصل بين البلدان التي تشهد علاقاتهم السياسية توتراً أو تراجعاً أو حتى خصومةً. لذلك على النخب الأكاديمية العراقية أن تعمل على إدامة التواصل وإبقاء قنواتها مفتوحة مع تركيا في الفترات التي تشهد العلاقات السياسية بين البلدين تراجعاً او قطيعة.
     على النخب الأكاديمية - البحثية العراقية أن يكونوا علميين موضوعيين بتجرد إذا ما طلب منهم رفد مراكز صنع وإتخاذ القرار العراقي بالتحليلات الدقيقة وبالقراءات السليمة للأوضاع الإقليمية والعالمية، وأن يكونوا ناصحين بأمانة، وليسوا مؤيدين لسياسات ومواقف مسبقة، وأن يكون معيارهم في تقييم طبيعة علاقة العراق بأي بلد آخر، هو المصالح المشتركة واحترام السيادة المتبادل، والحفاظ على أمن ووحدة واستقرار البلدين، وليست المصالح الحزبية والفئوية. ويجب حث صناع القرار العراقي على تبني النهج الحديث في العلاقات الدولية الذي يهدف لجعل أبعاد العلاقة بين أي بلدين (السياسية، الأمنية، الاقتصادية، الثقافية والاجتماعية) منفصلة عن بعضها قدر الإمكان، لضمان عدم تأثير التراجع الذي قد يحصل في أحد هذه الأبعاد في الأبعاد الأخرى، وبالتالي استمرار التواصل بين البلدين، فمن الأقوال المأثورة في السياسة الدولية "يجب أن تتحدّث مع خصومك أكثر مما تتحدّث مع حلفائك".
      يجب على المجتمع الأكاديمي - البحثي العراقي أن يشكل الطيف الثالث في الحياة السياسية العراقية، فهنالك طيف الحكومة وأحزابها ومناصريها الذين يؤيدونها بشكل مطلق، بغض النظر عن مستوى أداء الحكومة، وهنالك طيف المعارضة، بشقيها، المعارضة الواعية التي تهدف لتشخيص الخلل والأخطاء في أداء الحكومة والدعوة للإصلاح، والمعارضة الانتهازية التي تهدف فقط لإفشال الحكومة وإسقاطها، مهما كانت نتائج وتداعيات ذلك على البلد، وهنا يأتي دور النخب الأكاديمية في بذل الجهود وتقديم المشورات لعقلنة ومنهجة الحراك السياسي العراقي، الداخلي والخارجي، والدعوة لتصويبه وضبط مساره بما ينسجم ويخدم مصالح البلد، وهذا لا يتم إلا بتوفير الحرية الكاملة للتعبير عن الرأي والحماية والدعم اللازم للباحثين وللمراكز البحثية، وتسليط الأضواء على عمل هذه المراكز والاهتمام بمخرجاتها. 

المعضلة الأمنية المزمنة بين العراق وتركيا: وجود عناصر PKK في شمال العراق
   من المعروف أن هذه القضية قد خضعت لعقود من السنين لعدة عوامل وتحولات تاريخية وسياسية واجتماعية، بل وحتى اقتصادية، فضلاً عن خضوعها لعوامل دولية وإقليمية ومحلية. كما أن التعامل مع هذه المشكلة تباين بين رؤيات وإرادات ومواقف مختلفة، بين تركيا ما قبل وصول حزب العدالة والتنمية إلى سدة الحكم في أواخر 2002، وتركيا ما بعد 2002، وبين عراق ما قبل 2003، وعراق ما بعد 2003، وبين منطقة كردستان العراق عندما كانت خاضعة للدولة العراقية المركزية قبل أحداث 1991، وبين إقليم كردستان الذي بدأ مسيرة الحكم الذاتي الحقيقي بعد 1991، بالاستفادة من الظروف الإقليمية والدولية التي أعقبت اجتياح العراق للكويت، التي أدت إلى وهن النظام العراقي السابق وارتخاء قبضته على شمال العراق، الأمر الذي خلق فرصة تاريخية لانطلاق مشروع استقلال إقليم كردستان العراق.
   إنّ الأسباب (المباشرة وغير المباشرة) لهذه المشكلة، وتطوراتها التاريخية وانعكاساتها، أصبحت معروفة لجميع متابعي شأن العلاقات العراقية - التركية، كما أنَّ اختلاف الرؤى حول تقييم حيثيات هذه القضية، وحول تقييم تداعياتها، أصبح واضحاً للجميع أيضاً. لذلك نرى أن مساعي جدية للتوصل إلى حلول حقيقية لهذه المعضلة يجب أن لا تستنزف جهودها وتبدّد وقتها بالتركيز على الماضي، وإنّما يجب أن تنطلق من الحاضر نحو المستقبل بـ"واقعية". إنَّ محاولة حل هذه المشكلة من خلال مراجعة واجترار معطياتها وتعقيداتها التاريخية سيكون مسعى غير مجدٍ، وسيقود الأطراف المعنية لإيجاد الحلول إلى متاهة وجدل عقيم غير منتهٍ. إذ إن هذه المشكلة تتطلب الآن مبادرة جديدة تتفق عليها الأطراف المعنية بها، لإنتاج مقاربة واقعية وموضوعية للحل، تنطوي على شعور عالٍ بالمسؤولية، تجاه المخاطر المحتملة لتفاقم هذه المشكلة أو إهمالها.
    لانضاج هكذا مبادرة، وتحويلها إلى خريطة طريق عملية لحل هذه المشكلة، هنالك مرتكزات مهمة يجب أن تستند إليها وتنطلق منها، من أهمها:
1-    التحديد الواضح للأطراف المباشرة المعنية بحل هذه المشكلة، والمسؤولة عن إيجاد حلول لها، وهي الحكومة التركية، الحكومة العراقية المركزية، حكومة إقليم كردستان العراق. وإستبعاد أي طرف دولي أو إقليمي يحاول التدخل في هذه المشكلة أو استثمارها لمصالح وأجندات لا تخدم البلدين والشعبين العراقي والتركي. وصل الحال بتفاقم هذه المشكلة إلى أن بعض الدول الأوروبية والعربية والخليجية التي لها خصومة مع تركيا، أخذت بالتواصل والتنسيق مع مسلحي حزب العمال الكردستاني PKK وتقديم الدعم لهم، مناكفة لتركيا انطلاقاً من الأراضي العراقية.
2-    على الأطراف المعنية بهذه المشكلة أن تتبنى التوازن والعقلانية في المطالب والأهداف عندما تسعى لإيجاد حلول حقيقية لهذه المشكلة، وأن يكون المعيار الرئيس للحل المطلوب هو تحقيق أقصى حد ممكن من الحفاظ على سيادة وأمن العراق، بما فيه أمن إقليم كردستان العراق، والحفاظ على أمن تركيا، وحماية مصلحة الشعبين التركي والعراقي، بما فيه مصلحة أكراد العراق، والسعي لجمع هذه الأهداف في سلة حل واحدة، دون ربط هذه الحلول بأوضاع ومستقبل الأكراد في بلدان أخرى غير العراق.
3-    على الحكومة العراقية المركزية وحكومة إقليم كردستان العراق الإدراك التام المعلن بأن مسلحي الـPKK يمثلون الخطر الأكبر على أمن ووحدة الدولة التركية، وأن تركيا لا يمكنها التهاون أو المجاملة على حساب أمنها القومي، وأن الأتراك حكومة وشعباً وبمختلف توجهاتهم السياسية متوحدون في موقفهم تجاه هذه القضية.على حكومتي بغداد وأربيل إبداء جدية حقيقية لحل هذه المشكلة، وليس استخدامها للعروض السياسية والإعلامية أو للمساومات والمناورات المرحلية. إذ إن نشاطات مسلحي الـPKK أصبحت خطراً على أمن العراق وإقليم كردستان العراق قبل أمن تركيا، بدليل ما آلت إليه الأوضاع في مدينة سنجار، وبدليل اشتراك بعض مسلحي الـPKK في القتال ضد القوات الأمنية العراقية عندما شرعت بغداد باستعادة السيطرة على كركوك في تشرين الأول 2017، وبدليل الهجمات المتكررة لـPKK ضد قوات البيشمركة الكردية. على حكومتي بغداد وأربيل تعريف الـPKK بوضوح بأنّها منظمة مسلحة أجنبية تنشط في الأراضي العراقية وتهدد جيران العراق، بينما هي لا تمت للعراق بأية صلة، وأن هذه المنظمة مصنفة دولياً كمنظمة إرهابية، وأن هذه المنظمة منذ انتشارها ووجودها على الأراضي العراقية لم تجلب أي خير يذكر للعراقيين، عربهم وأكرادهم.
4-    أي مبادرة جديدة جدية لحل هذه المشكلة يجب أن تكون واقعية وتستوعب الاتفاقات والتفاهمات السياسية والأمنية بين الحكومة العراقية المركزية وحكومة إقليم كردستان، وتتفهم طبيعة العلاقة بينهما في عراق ما بعد 2003، التي ما زالت تضع محددات على قيام حكومة بغداد بأي دور أمني في شمال العراق. طبقاً للأوضاع السياسية والأمنية والاقتصادية الحالية في العراق، يجب أن لا تتوقع الحلول الجديدة زوال هذه المحددات من أمام حكومة بغداد في وقت قريب.
5-    لمنع توظيف انعكاسات العمليات العسكرية التركية في شمال العراق من اللوبي المضاد لتركيا في العراق، ولزيادة التعاون المشترك للقضاء على هذه المعضلة، سيكون من المفيد تأسيس غرفة عمليات عسكرية مشتركة في أربيل لمكافحة نشاطات مسلحي PKK، بين حكومات بغداد وأنقرة وأربيل، هذه الخطوة ستكون مفيدة لكل الأطراف المعنية بحل هذه المشكلة، فهي ستعطي شرعية أكبر للجهود العسكرية التركية، وستعطي بغداد دوراً أمنياً جديداً في شمال العراق، وستعطي أربيل مصداقية أكبر في مساعيها لحل هذه المشكلة.
6-    على حكومتي بغداد وأربيل بذل جهد أكبر لكشف وتحييد النشاطات السياسية والاقتصادية لـPKK في شمال العراق، المباشرة وغير المباشرة من خلال أطراف كردية عراقية، هنالك تقارير إعلامية تتحدث عن تمكن الـPKK من إيصال سياسيين أكراد مرتبطين بها إلى برلمان إقليم كردستان والبرلمان العراقي، وأن تبدأ حكومتا بغداد وأربيل باستعادة السيطرة على بعض المفاصل الاقتصادية وبعض المعابر الحدودية الرسمية وغير الرسمية التي استولت عليها الـPKK بسبب مجريات الحرب على تنظيم داعش الإرهابي، لا سيما مع سوريا، وشن حملات لمكافحة عمليات التهريب التي تقوم بها الـPKK، كتهريب الأسلحة والبشر والمشتقات النفطية والتجارة غير المشروعة.
التعاون الاقتصادي فرصة لترسيخ الأمن المشترك بين البلدين:
    ظهرت في أدبيات الفكر السياسي خلال العقود السابقة، جدلية استفهامية أصبحت معروفة للجميع، مفادها "هل السياسة تصنع الاقتصاد أم الاقتصاد يصنع السياسة؟"، وكلما اتجه العالم نحو تزايد المتطلبات والحاجات الاقتصادية للبلدان والشعوب، ونحو تقلص فرص الاستثمار والنمو الاقتصادية، كان جواب تلك الجدلية الاستفهامية يتجه نحو "الاقتصاد هو من يصنع السياسة".
   يتفق جميع المنظرين لحقبة "عالم ما بعد جائحة كورونا"، بأنَّ العام 2021 سيكون مليئاً بالتحديات، وأن التحدي الأكبر سيكون الصعوبات الاقتصادية، لذلك يجب على جميع البلدان، المتجاورة وغير المتجاورة، عدم تفويت أو إهمال أي فرصة للتعاون الاقتصادي وتبادل المنافع بينهما.
   لم يعد الاقتصاد يصنع السياسة فقط، بل أصبح يصنع الأمن المشترك بين البلدان، ويسهم في تبادل احترام السيادة بينهما، وأصبح التعاون الاقتصادي بين بلدين ما، يؤدي دوراً مهماً في تفادي حدوث الأزمات والمشاكل بينهما. على سبيل المثال، أسهم حجم التعاون الاقتصادي بين تركيا وروسيا الاتحادية، لا سيما في قطاع النفط والغاز، في تفادي حدوث الصدام بينهما في ساحات الصراعات التي ينخرطون بها منذ سنوات، في سوريا وفي ليبيا وفي "ناغورونو قرة باغ"، مع اختلاف رؤيتهما وأهدافهما في تلك الصراعات، ومع أنَّهما يدعمان أطرافاً مختلفة تتقاتل فيما بينها في تلك الصراعات.
   ليس هنالك بلدان متجاوران متاح لهما آفاق واسعة للتعاون الاقتصادي، مثل العراق وتركيا، ونحن عندما نتحدث عن آفاق التعاون الاقتصادي، لا نقصد التبادل التجاري التقليدي للسلع والمواد الاستهلاكية، بل نقصد المشاريع الاقتصادية الاستراتيجية، التي تصنع الأمن المشترك والاستقرار طويل الأمد للعلاقة بين البلدين.
   ما زال العراق بلداً ريعياً يعتمد دخله القومي بشكل كبير على بيع منتوجه من النفط، ومن غير المتوقع وفقاً للمؤشرات الحالية أن يقل اعتماد الاقتصاد العراقي على إنتاج وتصدير النفط في وقت قريب، جميع البلدان النفطية تسعى منذ سنين لزيادة منافذ تصدير نفطها، تحسباً لأي طارئ يؤدي لغلق منفذ ما. العراق حالياً لديه منفذان لتصدير نفطه، أحدهما رئيس عن طريق الخليج العربي ومضيق هرمز، الذي يصدر العراق من خلاله الجزء الأكبر من نفطه، وبسبب التوترات الأمريكية - الإيرانية - الخليجية أصبحت منطقة الخليج العربي ومضيق هرمز توصف بأنَّها منطقة توتر عالية المخاطر الأمنية، ويتوقع تعرضها لحالات إغلاق وتوقف الملاحة الدولية فيها في أي مرحلة من مراحل التصعيد المحتملة في المواجهة الأمريكية - الإيرانية. 
   هنالك منفذ ثانوي آخر لتصدير الجزء الأقل من النفط العراقي عن طريق خط أنابيب كركوك - جيهان، الذي يمر من الأراضي التركية وصولاً إلى ميناء جيهان التركي على البحر المتوسط. خط أنابيب كركوك - جيهان الذي يبلغ طوله 970 كم يتكون من أنبوبين، أحدهما أفتتح في عام 1977 بسعة تصميمية لنقل 1,100,000 برميل في اليوم، والثاني أفتتح في عام 1987 بسعة تصميمية لنقل 500,000 برميل في اليوم. ولكن إهمال هذا الخط عبر السنين الماضية، وعدم القيام بأي مشاريع فعالة لتطوير هذا الخط وصيانته، فضلاً عن الهجمات العديدة وعمليات التخريب التي تعرض لها هذا الخط على أيدي عناصر الـPKK، أوصلت هذا الخط إلى سعة نقل حالية لا تتعدى 300,000 برميل في اليوم.
   في الأشهر القليلة الماضية بحثت الحكومة العراقية مع الأردن فكرة إنشاء خط أنابيب لنقل النفط العراقي من البصرة إلى ميناء العقبة الأردني على البحر الأحمر، كمسعى من الحكومة العراقية للبحث عن منافذ بديلة لتصدير النفط العراقي. إن إنشاء الخط العراقي - الأردني يحتاج إلى أموال كبيرة ليست متيسرة لدى الحكومة العراقية حالياً، كما أنَّه يحتاج إلى وقت كبير حتى يتم تشغيله، وأن وصول النفط العراقي إلى البحر الأحمر ليس مثل أفضلية وصوله إلى ميناء جيهان التركي على البحر المتوسط، وهو الأكثر قرباً لأوروبا من ميناء العقبة الأردني.
   لا يحتاج الأمر إلى جهد كبير لمعرفة أن خيار العراق الأفضل لإنشاء منفذ بديل لتصدير نفطه، هو الإتفاق مع تركيا على مشروع استراتيجي لتطوير خط أنابيب كركوك - جيهان، وزيادة سعة نقله، لتستوعب كل الطاقة التصديرية لنفط العراق، من أجل اللجوء إليه بحالة تعرقل الملاحة في مياه الخليج العربي ومضيق هرمز. أما عن الكلفة المالية لهكذا مشروع، فمن المؤكد أن الحكومة التركية والشركات التركية التي تمتلك خبرة كبيرة في مجال نقل الطاقة، من خلال مشاريعها العملاقة السابقة في هذا المجال، التي نفذتها بالتعاون مع روسيا الاتحادية ومع دول آسيا الوسطى، ستبدي مرونة كبيرة مع العراق في الجانب المالي، كون هكذا مشروع سيجلب منافع كبيرة للاقتصاد التركي.
   أما عن منافع العراق من هكذا مشروع، فهي ستتعدى المنافع الاقتصادية والمرونة الكبيرة التي سيمتلكها العراق لتصدير نفطه، إلى المنافع الأمنية والسياسية، إذ إن أمن وإستقرار العراق، وبخاصة شمال العراق والمناطق التي يمر بها هذا المشروع سيصبح أمراً مهماً وحيوياً للاقتصاد التركي، فضلاً عن كونه مهماً للأمن القومي التركي.
   يمتلك العراق موقعاً استراتيجياً متميزاً، جعل منه بمثابة عقدة مواصلات إقليمية وعالمية مهمة، ونلاحظ في الفترة الأخيرة هنالك تزايد في الحديث والكتابة عن احتمالات شمول العراق بمسارات طريق الحرير الصيني القادم (أو طرق الحرير الصينية القادمة)، وعن المشاريع المحتملة للربط السككي بين البصرة وإيران، أو بين البصرة والكويت، والحديث عن فرضيات تنافس (أو صراع) الموانئ في المنطقة الذي يقف وراء تلكؤ إنجاز ميناء الفاو الكبير العراقي. وبغض النظر عما هو حقيقي وما هو افتراضي من كل هذه المشاريع والأفكار، نجد أن الفكرة الأكثر جدوى ومنفعة للعراق هي التي لم تطرح في كل تلك الأحاديث والكتابات، وهي الربط السككي مع تركيا من شمال العراق، فهي الفكرة الوحيدة التي ستزيد من أهمية الموانئ العراقية، وهي التي ستجعل العراق بوابة التجارة الدولية بين أوروبا ومنطقة الخليج العربي وبحر العرب، بخاصة إذا ما استفاد العراق من الخبرة المتقدمة لقطاع المواصلات التركي في تطوير شبكة سكك الحديد العراقية، ومن المعروف أن تركيا من الدول المتقدمة في هذا المجال، واستطاعت تشييد ونشر خطوط سكك حديد متطورة فوق كل جغرافية تركيا ذات التضاريس الصعبة، فوق البحر وتحته، ومن خلال أنفاق الجبال والوديان. الربط السككي مع تركيا سيكون عاملاً إضافياً جديداً من عوامل أهمية أمن واستقرار العراق بالنسبة لتركيا. ومن جهة أخرى فإن الربط السككي مع تركيا وتطوير شبكة السكك العراقية سيخلق فرص عمل كثيرة للعراقيين الذين يواجه معظمهم نسبة بطالة مخيفة. هذه الفكرة (لو) تم تنفيذها ستضع اللبنة الأساسية لمشروع جعل الأراضي العراقية (القناة الجافة العالمية) التي تربط دول الشمال بدول الجنوب.
   من المعروف أن العراق يواجه حالياً أزمة سكن حادة ومركبة مع تردي للبنى التحتية، تفاقمت بعد الدمار الذي خلفته الحرب على داعش، يكفي أن نذكر هنا بأن نصف مدينة الموصل الأيمن الذي كان يقطنه أكثر من مليون نسمة تدمر بالكامل خلال تحرير المدينة من سيطرة تنظيم داعش الإرهابي. شركات البناء والإعمار التركية معروفة بإمكاناتها وإنجازاتها المتقنة التي لها القدرة على اختصار الزمن والكلفة، من الممكن للعراق الاستعانة بتركيا للشروع بحملات إعادة إعمار للمدن العراقية التي تضررت بفعل الحرب على داعش، من خلال اتجاهين، الأول من خلال مشاريع استثمارية لا تثقل كاهل الخزينة العراقية (المثقلة أصلاً)، والاتجاه الثاني من خلال منحة الـ5 مليار دولار التي وعدت تركيا في مؤتمر الكويت لإعادة إعمار العراق في شباط 2018 بتقديمها لإعادة إعمار العراق، والتي اشترطت تركيا تنفيذها من خلال شركات تركية حصراً. هذه الخطوات (لو) تم تنفيذها ستسهم بشكل مؤثر في حل مشاكل السكن والبنى التحتية والبطالة في العراق، فضلاً عن إضافتها زخما جديدا للعلاقات العراقية - التركية، بكل أبعادها السياسية والأمنية والاقتصادية والاجتماعية.
   لا يختلف اثنان بأن المنتجات التركية تتمع بمقبولية عالية في السوق العراقية قياساً بمنتوجات دول الجوار الأخرى أو المنتوجات الصينية، لجودتها العالية وأسعارها المناسبة، في أحيان كثيرة تواجه الصادرات التركية إلى العراق عراقيل وقيود تضيق على إنسيابية تدفقها إلى السوق العراقية، هذه العراقيل متنوعة الأسباب، منها إجراءات حكومية عراقية تهدف لحماية المنتوج الوطني العراقي (وهذه قيود مشروعة)، ومنها إجراءات وحملات تستهدف الصادرات التركية للعراق، لأسباب ترتبط بالتنافس الاقتصادي الإقليمي في السوق العراقية، أكثر من ارتباطها بمصلحة المستهلك العراقي. هنالك خيار استراتيجي يمكن أن يسلكه العراق للجمع بين منافع المنتجات التركية وتنشيط الاقتصاد الاستثماري في العراق، وهو الاتفاق مع المصدرين والمنتجين الأتراك على إنشاء فروع لمصانعهم في داخل العراق، ضمن إطار مشاريع استثمارية، تسهم في التقليل من البطالة في العراق، وتعزيز العائدات الضريبية للخزينة العراقية.
    في نفس سياق البعد الاقتصادي في العلاقات العراقية - التركية المعاصرة، تبرز لدينا مسألة تقاسم المياه بين البلدين. في السابق عندما تحدث أي أزمة مياه في العراق، تتصاعد ردود أفعال الحكومات العراقية والرأي العام في العراق باتجاه إلقاء اللوم على تركيا وعلى مشاريع سدودها بوصفها السبب الرئيس في أزمات المياه في العراق. ولكن في أزمات المياه الأخيرة التي حدثت في العراق، حدث تحول في ردود فعل الرأي العام في العراق بشأن هذه القضية، حيث بدأ العراقيون وفي مقدمتهم المرجعية الدينية العليا في النجف، بتوجيه اللوم أيضاً إلى الحكومات العراقية المتعاقبة بعد 2003، لتقصيرها وفشلها في تبني استراتيجية ناجحة لإدارة الموارد المائية في العراق، وعدم إنجازها أي مشاريع جديدة في هذا المجال، بل إنها لم تستطع إكمال إنجاز السدود التي كانت قيد الإنشاء قبل سقوط النظام السابق. ومن الجديد في ردود الفعل العراقية تجاه هذه المسألة مطالبة الرأي العام والمرجعية الدينية العليا للحكومات العراقية بمزيد من التعاون والتنسيق مع تركيا بهذا الخصوص، والسعي للاستفادة من تجربة وخبرة تركيا في هذا المجال بدلاً من الاكتفاء بإلقاء اللوم وتوجيه التهم لها. قد تكون هذه الدعوات الجديدة هي الحل الأمثل لهذه المسألة، حيث إن التأسيس لشراكة استراتيجية عراقية - تركية لتحسين وتطوير واقع ومستقبل الموارد المائية في العراق، سيخلق شفافية وتفهما متبادلا وكبيرا لحاجات ومتطلبات كلا البلدين من موارد المياه، كما أن هذه الشراكة الاستراتيجية ستنقل ملف تقاسم المياه بين البلدين من إطار التجاذبات السياسية والحملات الإعلامية غير المجدية، إلى إطار التعاون الفني والاقتصادي. في نيسان 2019 قامت الحكومة التركية بتعيين فيصل آر أوغلو وزير الزراعة والغابات السابق وعضو البرلمان التركي الحالي عن حزب العدالة والتنمية الحاكم مبعوثاً خاصاً بخصوص ملف تقاسم المياه مع العراق، كبادرة حسن نوايا وجدية واهتمام بالتعاون والتنسيق مع العراق في هذا المجال، بينما ما زالت الحكومة العراقية بطيئة جداً ومتراخية في التعامل مع هذه المسألة.
   يقيناً أن هذه الأفكار لتعزيز التعاون الاقتصادي الاستراتيجي بين البلدين هي ليست الوحيدة، ومن المؤكد أن وجود هكذا مشاريع اقتصادية استراتيجية بين البلدين، سينقل مستوى العلاقات بينهما إلى مسار تعاوني عالٍ جديد، وسيزيد من حرص تركيا على أمن واستقرار ووحدة العراق، ومن حرص العراق على أمن واستقرار ووحدة تركيا.
الخاتمة:
    إنَّ فرضية تمكن دولتين متجاورتين من تصفير وحل كل الخلافات والقضايا العالقة بينهما، هي فرضية صعبة التطبيق في عالمنا اليوم المليء بالاضطرابات الأمنية والسياسية والاقتصادية والاجتماعية. لذلك نجد أن النهج المعاصر للعلاقات بين الدول المتجاورة، وغير المتجاورة، يتبنى السعي لتأسيس أرضية مشتركة من التفاهمات والاتفاقات، تضمن تحقيق أكبر قدر ممكن من المصالح المشتركة، وتفادي تأثيرات المشاكل المشتركة إلى أقل قدر ممكن.
   هنالك آفاق وفرص حقيقية لتحويل العوامل التي تضعف العلاقات العراقية - التركية إلى عوامل قوة، واسثمارها لتعزيز المصالح المشتركة بين البلدين وشعبيهما، إذا ما توافرت إرادات سياسية حقيقية لدى صناع القرار في كلا البلدين، لتحقيق التعاون الاستراتيجي المبني على احترام سيادة وأمن ووحدة البلدين.