University Students: The Deeper Dimension Of The October 2020 Protests In Iraq

Date of publication:
2020 February 17

اضغط هنا لتحميل المقال بصيغة pdf



د. عذراء ناصر

"عصب الاحتجاج ونبضه الأسبوعي"، "القمصان البيضاء أو المدّ الأبيض"، هكذا يصف المحتجون في العراق مشاركة طلبة الجامعات أسبوعياً في ساحات الاحتجاج في بغداد والمحافظات. توضّح إحصائيات متنوّعة مشاركة معظم فئات المجتمع العراقي في الاحتجاجات منذ اندلاعها في تشرين الثاني 2019، لكن على ما يبدو أنّ الزخم الحقيقي لتكريس الاحتجاج بدأ منذ التصعيد الذي دعا إليه المحتجون للاعتصام المدني واستجابت له بعض النقابات المهنية ومنها نقابة المعلمين في ديسمبر\كانون الأول الماضي، معلنةً وقف الدوام الرسمي في المدارس، الأمر الذي استجاب له طلبة المدارس والجامعات لعدة أيام. أفرزت هذه الدعوات ردود فعل متباينة بين الرفض والقبول وسرعان ما أُطلقت الدعوات لإعادة دوام المدارس الابتدائية والثانوية وعدم جرّ التلاميذ ممن هم في سنّ التعليم الابتدائي والثانوي للحراك السياسي. هذا لم يمنع استمرار إغلاق المدارس في مختلف المحافظات الجنوبية العراقية وفي مناطق مختلفة من بغداد بحسب شهود عيان. الشريك الفاعل كان طلبة الجامعات الذين اِتّخذوا الحرم الجامعي في البداية منطلقاً لتجمعُّهم أسبوعياً لدعم التظاهرات في ساحات الاحتجاج في بغداد، ثم توزَّعتْ أماكن تجمعاتهم وصارتْ لهم مقرّات هي عبارة عن خيم ثابتة في ساحات التظاهر تعنون بعناوين جامعاتهم وكليّاتهم.
تطوُّر التنظيم بين الطلبة خلق الحاجة إلى دعم الاعتصام بطرق سلمية لاستدامة الحراك فاستدعتْ ظهور تشكيلات منظّمة في الساحة مثل تشكيل سُمِّي لاحقا بـ "فوج مكافحة الدوام" أخذ على عاتقه متابعة الاعتصام في الجامعات والتثقيف ضد عودة الدوام دون تحقيق المطالب التي خرجت من أجلها الجماهير. وفق تقرير نشرته صحيفة المدى مؤخراً اِتّخذ هذا التشكيل وظائف وتسميات عدّة وتمّ تغيير تسميته إلى "فوج شباب الثورة الأبطال" في محافظة ذي قار، التي شهدت تصعيداً كبيراً خلال فترة الاحتجاجات، بعد الاتفاق مع المتظاهرين في ساحة الحبوبي والزيتون لدعم المتظاهرين في المحافظة ولبيان حقيقة الادعاءات التي وجَّهتِ الاتهامات إلى الطلبة بالتخريب بعد حوادث عدّة عند بوابات جامعة واسط وجامعة العين الأهلية في ذي قار نفسها. 
أبدى مجموعة من طلبة الجامعات في حوار ميداني معهم، طلبوا عدم ذكر أسمائهم؛ استيائهم من إهمال مطالبهم وعدم التضامن معهم من قبل الجامعة وعدم التصريح بموقف رسمي يدعم اعتصامهم أو يدفع إلى تحقيقها. أوضح الطلبة أنّ أعداد من لم يلتزموا بالاعتصام في أوقات متفرّقة لم يتجاوز 35 طالباً في مراحل مختلفة وقد كان تحت ضغط من الأهل أو لمصالح طائفية أو سياسية على حدّ قول زملائهم. كما بيَّنتْ طالبات من كلية الهندسة أنّ أعداد الطالبات المشاركات كان أكثر في كلّ مرّة من أعداد الطلبة الشباب وقد شكّل هذا الأمر لهنّ مصدر فخر كبير وأنّ الأعداد كان يمكن لها أن تتضاعف لولا موقف الأقسام الأخرى التي فضّلتِ الحياد في بعض الأحيان ربّما من "يأسهم من أي استجابة جادّة من القوى السياسية في تحقيق المطالب". يوضّح أحد الطلبة أنّ موقف الطلبة المعتصمين هو موقف وطني وأضاف بهدوء عند السؤال عن سبب خروجهم للساحات وامتناعهم عن الدوام أنّ السبب هو "تحقيق المطالب أو يرجعون الشهداء!" في تصريح مباشر يشير إلى العنف الذي تعرّض له المحتجّون في مختلف المحافظات. أوضح الطلبة أنّ المعتصمين يتجمّعون ويتوجّهون إلى ساحة التحرير في بغداد منذ فترة طويلة وأنّهم يشعرون بالفخر لأنّ الاحتجاجات، بحسب قولهم، سواء حقَّقتْ مطالبها السياسية أو لا؛ قد حقَّقتْ أهم الإنجازات في العراق منذ مئة عام، فهم يرون "أنّ هذه الثورة الطلابية حقَّقتْ وعياً جديداً وإنجازات ثقافية لم يكن بالإمكان تحقيقها أو تخيُّلها". يضيف الطلبة أنّ أهم مطالبهم الآنية القضاء على الفساد وهذا لن يتمّ بترشيح أيٍّ ممن لهم علاقة بالأحزاب السياسية، وأنّه "لا وجود لإمكانية بأن يصوتوا لأيٍّ من الأسماء التي طرحتها الأحزاب كونهم خرجوا ضدّها في المقام الأول". يرى الطلبة المحتجون أنّ سقوط الحكومة باستقالة رئيس الوزراء عادل عبد المهدي لن يكون كافياً وأنّهم غير متخوفين من دخول البلاد في الفوضى أو الفراغ السياسي، لأنّ "لا فوضى أكبر مما وصل إليه العراق" كما يقول طالب آخر بانفعال واضح. عدّ طلبة الجامعات المشاركون في التظاهرات تصرّف أعضاء البرلمان الحالي "استفزازياً" لهم وأنّهم رغم هذا لن يتخلّوا عن مطالبهم، لأنّهم "طالعين من أجل مبدأ وقضية وطن"، رغم شعورهم بالخذلان من الطلبة الذين لم يساندوهم لكن هذا لن يؤثر في استمرار إضرابهم لا سيما أنّهم يعلمون بالضغوطات التي يتعرّض لها بعضهم من الأهل أو التهديدات أو غيرها.  
يبدو للمراقب واضحاً أنّ الطلبة يخطّطون بتنظيم عالٍ في ما بينهم لتصعيد أسبوعي ويقدّمون رسالة للقوى السياسية كما يوضّح لي أحدهم أن "احذروا الشعب" في إشارة إلى أثر طلبة الجامعات العالي في الشارع العراقي، كونهم يشكّلون القطّاع الأوسع للشعب ويتّخذون موقفَ حاملي لواء تحقيق المطالب. حمل الطلبة خلال مشاركتهم في الساحات شعارات عبّروا فيها عن هذا وأخرى داعمة للمحتجّين وتعزيز موقفهم يطلقونها بلافتات مرّة أو أهازيج مثل:

"گواه الله ابن التحرير ما شاف الراحة
گلوله القمصان البيض طبت للساحة"
وبحسب تقارير الصحف المحلية فإنَّ الاحتجاج الذي يخفت خلال الأسبوع يعاد تجديد الثقة به من خلال زخم مشاركة الطلبة بـ "المد الأبيض" في إشارة إلى زي الطلبة بالقميص الأبيض في الجامعات العراقية وإشارة إلى سلمية هذه المشاركة دعما للشباب المحتج ولتحقيق الحفاظ على زخم الاحتجاج المستمر منذ مطلع تشرين الأول الماضي. وضع هذا الاعتصام الوزارات المعنية في مأزق استدعى السرعة في تقديم بدائل لدفع الطلبة وتشجيعهم للعودة إلى مقاعد الدراسة قدّمت خلالها وزارتا التعليم العالي والبحث العلمي ووزارة التربية تقويما بديلا للعام الدراسي أُلغيت من خلاله جميع العطل لتعويض المناهج واستكمال متطلبات العام الدراسي، الأمر الذي دفع الطلبة إلى العودة التدريجية إلى الدراسة وإيجاد بدائل تنظيمية بالمقابل تتيح لهم الإستمرار في الدراسة والمشاركة في التظاهرات في الوقت نفسه، بما لا يتسبَّب بضياع العام الدراسي نظراً للظروف الصعبة التي يواجهها بعضهم في توفير متطلبات الدراسة والاستمرار فيها. يظهر للمتابع لحركة الاحتجاج أنّ حضور الطلبة أكثر استرخاءً وتنظيماً، ربّما لصعوبة الوقوف بوجه الأعداد الهائلة التي قد يشكّل أي قمع لها حدثاً عنيفاً غير مسبوق، وكذلك لتصريحهم المستمر بأنّ مشاركتهم تمثّل السيل السلمي للاحتجاجات وأنّ التصدي لهم سيؤدي ربّما إلى انهيار المنظومة السياسية مرّة أخرى وسيدفع بباقي فئات الشعب للمشاركة، لارتباطها الوثيق بجميع مفاصل المجتمع العراقي وفي جميع المحافظات.  

كما أكد تقرير لصحيفة العرب الأسبوعية الصادرة باللغة الانكليزية المنشور في الثالث والعشرين من شباط 2020 أنّ مساهمة طلبة الجامعات تركّز بشكل أساس على التصعيد المستمر في حركة الاحتجاج وأنّ الطلبة المميزين بزيهم الأبيض يشكّلون الدعم السلمي الذي يدفع بالتظاهرات إلى مستويات أعلى ثقافيا واجتماعياً بالضغط على القوى السياسية من خلال المؤسّسات التعليمية، كون انقطاع الطلبة يسبّب إرباكاً كبيراً للوزارات التعليمية الملزمة بمواعيد منظّمة ومتطلبات دراسية مشروطة بتوقيتات ثابتة. يؤكد الطلبة المشاركون في التقرير أنّ "الثورة البيضاء" التي يقودونها ستشكّل أداة ضغط كبيرة على الحكومة للاستجابة لمطالب المحتجين في عموم البلاد وأنّ التعليم يعاني أساسا من مشكلات جسيمة أدَّتْ إلى تراجع المستوى العلمي في البلاد بسبب المناهج والتقنيات القديمة والمستهلكة وازدحام المدارس في الدراسات الأوّلية بالطلبة، بما لا يتيح فرصة تعلُّم حقيقية للتلاميذ. كما رفض الطلبة بحسب التقرير كل وسائل العنف والقمع المستعملة ضد المحتجين وأنّهم، أي الطلبة؛ غير مُنَظَّمين من قبل أي جهة سياسية أو حكومية وأنّ قوتهم تتمثّل في عفوية اجتماعهم في هذه التظاهرات كما يوضّحون بصورة علنية عن طريق البيانات التي تطلقها ممثلياتهم في الساحات في محافظات مختلفة. حيث أصدر الطلبة بيانات متكررة في مناسبات مختلفة؛ منها بيان استنكار طلبة جامعة الكوفة هذا: ["بيان استنكار! نحن الطلبة عماد الثورة وديدن استمرارها والعمود الأساس لسوح التظاهر، لم ننحز إلى جهة دون أخرى ولم يكن هناك لأحد فضل علينا الا لله وحده ولكن حين يتمّ التعدي علينا ستجدوننا يداً واحدةً تضرب بقوّة سلميتها ضدّ كلّ الجهات، نستنكر ما حصل اليوم والأيام السابقة لإخوتنا الطلبة في عموم العراق بحجّة حماية السوح، فنحن الطلبة لسنا تابعين لأي جهة، فلا تناقضوا أقوالكم بأفعالكم، شكراً لكل وطني سلمي لم يرفع السلاح، الاعتصام الطلابي لجامعة الكوفة"] وبيان آخر أصدره الطلبة في محافظة ذي قار باسم فوج شباب الثورة الأبطال يطالبون فيه بضرورة المحافظة على مدينتهم خالية من الأحزاب السياسية وأنّهم سيتّخذون إجراءات تصعيدية في حال استمرّت الأحزاب بالتدخل، والمطالبة بإقالة مسؤولين في المحافظة متورّطين بالفساد وقمع المتظاهرين موضحين أنّ "فوج شباب الثورة جزءٌ مهمٌّ من ثورة تشرين الأول (اكتوبر) وأنّ موقعه ونقطة انطلاقه من ساحة الحبوبي"، مشدّدين على "أنّ لا جهة أو شخص أو مسؤول معين لقيادة الفوج "وكلّ من يدّعي خلاف ذلك فهو تابع إلى الأحزاب الفاسدة ولديه مصالح ومنافع خاصّة" كما يرد في تقرير صحيفة المدى اليومية المنشور في الثاني عشر من شهر شباط 2020.  
لم يكتف التنظيم بهذا الحدّ من المشاركة فقد أصدر طلبة جامعة الكوفة جريدة  "صوت الطلبة" التي نشرت أعداداً متتالية خُصِّصَتْ صفحاتها لنقل تطورات الاحتجاجات في النجف وكتب مجموعة كبيرة من الطلبة آراءهم فيها بشأن الحركة الاحتجاجية الأخيرة وعن إيمانهم باختلافها عن الحراكات السابقة، ففي مقال بعنوان "الانتقال إلى الصندوق الأصغر" نُشر في العدد الثالث للجريدة يوضّح الطالب (ت.م) أنّها شخّصت مواطن الخلل في المنظومة السياسية، فلم تعد تطالب بالإصلاح والخدمات فقط وإنّما توجّهت للمطالبة بتغيير نظام الانتخابات الذي كرّس دور الأحزاب في السلطة وتسبّب بالتالي بتكريس الطائفية والفساد في البلاد. 
رغم مخاوف المراقبين للمشهد من الوصول إلى طريق مسدود بعد الأزمة السياسية التي خلقتها الاحتجاجات؛ لا سيما بعد استقالة رئيس الوزراء وتحوّل الحكومة من حكومة تنفيذية إلى حكومة تصريف أعمال، إلا أنّها بسبب هذا التنوع في الحراك والوعي والتنظيم الذي حافظ على استدامتها إلى خمسة أشهر قد خلقت نقطة تحوّل جديدة في المشهد العراقي بعد 2003، رافقتها بالطبع أحداث المشهد الإقليمي وتصاعد الصراع الأميركي- الإيراني في المنطقة، مما سيحتّم على القوى السياسية مراقبة الحركة الاحتجاجية عن كثب للتماشي معها وللاستمرار في السيطرة على النظام، أو أن تقدّم الأحزاب السياسية تنازلات تسهّل تشكيل حكومة انتقالية مستقلة أو مقبولة شعبيا للانتقال بالمشهد إلى لحظة الانتخابات المبكّرة المرتقبة.