السياسة الخارجية العراقية تجاه الأزمة السورية

I'm an image! ٢٤ / نوفمبر / ٢٠٢٠

 

السياسة الخارجية العراقية تجاه الأزمة السورية

محمد كريم الخاقاني. اكاديمي وباحث في الشأن السياسي.

تنطلق السياسة الخارجية لأي دولة ما من متطلبات تحقيق مصالحها الوطنية العليا مع مراعاة عدم التجاوز بشكل او بآخر على القواعد المرعية في تنظيم علاقات الدول مع بعضها، وتعتمد السياسة الخارجية على ما تفرزه بيئتها الداخلية، اي بمعنى انها تنشأ نتيجة التعارض في المصالح التي تسعى الى تحقيقها وبين الأعراف الدولية، وبين النظرية والتطبيق العملي لها، وعليه فقد اختلف الباحثين في تحديد مفهوم واحد للسياسة الخارجية، فمنهم من يعد السياسة الخارجية مجموعة مكونات وعناصر تتدخل في تركيبها وتؤثر فيها، وعليه فإنها تميل الى الترادف بين السياسة الخارجية وبعض اجزائها مثل الأهداف والسلوكيات.بينما يرى آخر، بإنها " منهج للعمل او مجموعة من القواعد او كلاهما، تم إختياره للتعامل مع مشكلة او واقعة معينة تحدث فعلاً او تحدث حالياً، او يتوقع حدوثها في المستقبل" ، ولذلك تمثل السياسة الخارحية إمتداداً للسياسة الداخلية للدولة، ويختلف المتابعين في تحديد مبادئ واهداف السياسة الخارجية العراقية بعد تغيير النظام السابق في نيسان ٢٠٠٣، وفي اي حكومة من الحكومات المتعاقبة اخذت ملامحها بالوضوح إزاء المتغيرات الإقليمية والدولية، فيمكن القول بإنها تتأثر برؤية صانع القرار الخارجي.

ان طبيعة العلاقة التي تربط العراق بسوريا المجاورة تقوم على اساس التأثر بالمتغير الأمني وإنعكاساته فضلاً عن النفوذ الدولي المتمثل بالولايات المتحدة الأمريكية والنفوذ الإقليمي لدول الجوار وبالخصوص إيران، فالتغيير الذي حصل عام ٢٠٠٣ قد احدث تحولاً في بنية النظام السياسي العراقي وبالتالي امتد تأثيره على فاعلية سياسته الخارجية ولاسيما في ظل الإحتلال الأمريكي، إذ اوجدت تلك الحالة نوع من السيولة السياسية وخصوصاً في المدة المحصورة بين عامي ٢٠٠٣_٢٠٠٥، إذ شهد العراق تشظي تنظيمي بسبب تغيير شكل النظام السياسي الذي حكمه لعقود طويلة الأمر الذي انسحب على اهم حدث في سياسته الخارحية وإنتقالها من دائرة المركزية والإنفراد بالسلطة  الى إعادة هيكلة مؤسسات الدولة وقيام سلطة تشريعية وحكومة منتخبة وقضاء مستقل وتعددية مراكز القوة المؤثرة في الساحة السياسية والمتمثلة بتزايد ملحوظ لنشاط الأحزاب السياسية والنخب المجتمعية والمنظمات المدنية والنشطاء السياسيين وغيرها من الفعاليات السياسية التي اسهمت ومن دون شك في تحقيق مشاركة سياسية، لذا وجدت الدولة العراقية نفسها امام مجموعة من التحديات سواء الخارجية منها او الداخلية، وكانت سوريا تشعر بمجموعة من المخاوف إزاء التغيير في العراق، فالولايات المتحدة الأمريكية كان لها الدور الكبير في عملية التغيير، وقد رفضت دمشق الحرب الأمريكية على العراق، ولذلك شهدت المرحلة الأولى من العلاقات العراقية السورية سوءاً على الرغم من تبادل الزيارات بين مسؤولي الدولتين، ويرجع ذلك الى إنشغال العراق بالملف الأمني وتعثر سياسته الخارجية، ولذا فإن نتائج تلك المرحلة تعد محبطة ومخيبة للآمال، وعند مقارنة الأوضاع في العراق وسوريا، فإننا سنكون امام قضايا عدة تشترك فيها الدولتين، كقضية الحدود والنفوذ الإقليمي وحكم حزب البعث في كلا البلدين والحروب الأهلية، ولكون العراق بلد مجاور لسوريا، فهو يعاني من تداعيات تسلل الإرهابيين على جانبي الحدود وبطبيعة الحال تأثرت العلاقات بينهما، نتيجة المتغيرات الجوهرية وغير المتناسقة بعد عام ٢٠٠٣، ومن ابرزها مشكلة اللاجئين وبالخصوص منهم البعثيين والمهاجرين من العراق الى سوريا .

لقد انعكس تأثير تلك المتغيرات على رؤية السياسة الخارجية العراقية تجاه سوريا، إذ كان العراق يعد سوريا من اسباب التدهور الأمني الذي حدث في العراق عبر دعم الإرهاب، وعليه كانت السياسة الخارجية العراقية تتوجس القلق من الجانب السوري، وإن كانت هناك محاولات لإنهاء ذلك الملف وفتح صفحة جديدة من العلاقات، إلا ان عامل عدم الثقة والضبابية في المواقف قد اسهمت في عدم إستنئاف علاقاتهما الدبلوماسية، ويمكن الإستدلال على ذلك بتصريح وزير الخارجية العراقي الاسبق (هوشيار زيباري) بعد زيارة (كولن باول) الى سوريا بعد ثلاثة اشهر من مقتل رئيس وزراء لبنان (رفيق الحريري)، بإن سوريا هي احد الطرق الرئيسة التي يسلكها الإرهابيون.

واعتمدت الدوافع السورية في التدخل في الشأن السياسي الخارجي العراقي وذلك من خلال تطورات الوضع الأمني الداخلي وإتجاه النظام السياسي العراقي الجديد ومدى تقييم سوريا لطبيعة مصالحها الخارجية التي تسعى لتحقيقها، ومن اهمها منع قيام عراق قوي ومستقر والعمل على خلق الفوضى داخل العراق لمنع تهديد أمن سوريا، ولذلك فهي اتبعث ثلاث إستراتيجيات لرؤيتها للعلاقات العراقية السورية وتتمثل بالآتي:

١_ القيام بتدخل سوري عسكري في العراق، فقد سعت سوريا الى تحقيق نفوذ لها على الحكومات العراقية المتعاقبة، والعمل على إضعافها.

٢_تتدخل سوويا في العراق لمنع فرض المزيد من القيود التي تمارسها الولايات المتحدة الأمريكية على سوريا وبشكل يهدد الأمن القومي السوري، إذ تعد سوريا ذلك تهديداً لمصالحها الإستراتيجية، لذا فهي تميل الى التدخل في العراق لإظهار أهميتها في الإستقرار الإقليمي.

٣_ضمان تعزيز النفوذ الإقتصادي في العراق عبر إهتمام سوريا بإعادة فتح خط انابيب النفط والذي يمتد من كركوك الى ميناء بانياس السوري، وتفعيل إتفاقيات التبادل التجاري بين البلدين. فمن شأن تلك الخطوة ان تعمل على توفير وقود منخفض التكلفة، فضلاً عن زيادة في الإيرادات المتوقعة التي يمكن ضمها لخزينة الدولة السورية عن طريق رسوم العبور.

وعلى الرغم من طول المدة الزمنية منذ إحتلال العراق عام ٢٠٠٣ ولغاية إندلاع الأزمة السورية في عام ٢٠١١، إلا انه يمكننا القول بإن العراق لم يكن لديه سياسة خارجية واضحة تجاه سوريا، لذا فإن اهم متغير في رؤية السياسة الخارجية العراقية يتمثل في كيفية التعاطي مع الأزمة السورية. فمنذ إندلاعها في ١٥ آذار ٢٠١١ والعراق ينظر الى تطورات الأوضاع في سوريا بترقب حذر وذلك للخصوصية الجغرافية السياسية والأمنية التي يرتبط بها، فالعراق لديه حدود مشتركة مع سوريا تبلغ بحدود ٦٥٠ كم، وهذا الحذر العراقي تجاه الوضع في سوريا يعود الى سببين وهما:

الأول: تحول الحراك السلمي الى العنف المسلح بعد شهور من إندلاع الأزمة في سوريا.

الثاني: الحرب الطائفية التي عانى منها العراق منذ تفجير مرقد الإمامين العسكريين (ع) في سامراء في شباط ٢٠٠٦ وتداعياتها على الوضع الأمني الداخلي العراقي.

لقد فرضت طبيعة مرحلة ما بعد الحراك العربي تحولاً في سياسة العراق الخارجية إزاء سوريا، إذ ان صانع القرار السياسي الخارجي العراقي ينظر الى تحقيق المصالح الوطنية والتي ترى بإن اي تغيير في سوريا سوف يعرض الأمن الوطني العراقي الى الخطر، وعليه فهو يرفض تغيير النظام السوري بالوسائل العسكرية.

وقد امتنع العراق عن التصويت على اغلب قرارات جامعة الدول العربية الصادرة بخصوص الأزمة السورية، كقرار تعليق مشاركة وفود حكومة الجمهورية السورية في إجتماعات مجلس الجامعة وإعتباراً من ١٦ تشرين الثاني ٢٠١١، وتحفظ العراق على قرار مجلس الجامعة العربية في ٢٧ تشرين الثاني ٢٠١١ والمتضمن فرض عقوبات إقتصادية على سوريا، فضلاً عن امتناع العراق على التصويت على قرار قمة الدوحة في ٢٦ آذار ٢٠١٣، وقد صّوت العراق على قرار َ

الجمعية العامة للأمم المتحدة برعاية الجامعة العربية في شباط ٢٠١٢ بخصوص إدانة العنف في سوريا والدعوة الى إنتقال سلمي للسلطة فيها.

ويؤكد العراق وبشكل دائم في مسار سياسته الخارجية بإنها نابعة من اولوية مصالحه الوطنية ومنعاً للمخاطر التي تهدد المنطقة برمتها بسبب وجود الجماعات الإرهابية، إذ يعد العراق بإنه الدولة التي تحارب الإرهاب نيابةً عن العالم بأسره، وعليه فقد حدد صانع القرار السياسي الخارجي العراقي موقفه من الأزمة السورية الذي تميز بالثبات وذلك من خلال الإستناد على ان يكون الحل للازمة السورية عبر السوريين انفسهم وان تدخل العراق فيها جاء نتيجة الابعاد الإقليمية والدولية لها، وتداخلها وزيادة خطورتها على سوريا ومحيطها الجغرافي جعل الحاجة الى معالجتها بشكل يتفق مع النهج العقلاني والواقعي، فضلاً عن إدانة العراق لإستخدام الأسلحة الكيمياوية وكل اشكال إنتهاكات حقوق الإنسان من طرفي الأزمة، وإدانة العراق للإرهاب والجماعات المسلحة.

ولذلك يتوسط العراق موقعاً مهماً في المنطقة، تتصادم فيها إستراتيجيات دولية وإقليمية بحيث لا تزال تدور في دوامة الصراعات السياسية التي اسهمت في تحديد مسارات العلاقات والحدود المكانية المتوقعة للعراق في بيئته الإقليمية، ولذلك ستكون مسارات التأثر والتأثير واضحة في تحديد مسارات المستقبل بالنسبة للعلاقات العراقية الدولية والإقليمية بهذا الخصوص.

لذلك تتبلور فحوى سياسة العراق الخارجية ما بعد عام ٢٠٠٣ في تجسيد مبدأ الإستقلالية وتحقيق المصالح الوطنية، إذ يتطلع العراق لممارسة سياسة خارجية مستقلة بعيدة عن اي ضغوط خارجية التي تتأثر بضغوط البيئة الإقليمية المضطربة وغير المستقرة بسبب ارتفاع حدة الصراع الإقليمي والدولي بين مختلف القوى الفاعلة في المنطقة، لذلك تعمل السياسة الخارجية العراقية بمنطق الثبات والهدوء وتغليب العقلانية والموضوعية والدينامية الفاعلية لسياستها الخارجية وهذا ما اكسب العراق مقبولية إقليمية دفعته نحو الحركة والتعامل بحرية وشفافية مع دول العالم، وهذا ما انعكس إيجابياً على الدبلوماسية العراقية في الإطار الإقليمي والدولي.

 

 



محمد كريم الخاقاني

محمد كريم الخاقاني

محمد كريم الخاقاني محمد كريم الخاقاني محمد كريم الخاقاني