أدت ظروف الحرب الأهلية في سوريا، التي اندلعت منذ عام 2011، إلى واحدة من أكبر الأزمات الإنسانية في التاريخ الحديث، تم تهجير أكثر من 11 مليون سوري، بما في ذلك ستة ملايين نازح داخليًا وخمسة ملايين كلاجئين. برزت تركيا كوجهة رئيسية للهاربين من الحرب بين دول الجوار السوري. بحلول ديسمبر 2017، استضافت تركيا 3.4 مليون لاجئ سوري مسجل، بالإضافة إلى أعداد كبيرة من غير المسجلين . واعتبارًا من نوفمبر/تشرين الثاني 2024، انخفض هذا العدد إلى مليونين 935 ألف، وهو الأدنى منذ عام 2017، تحملت تركيا عبء هذا النزوح، حيث وفرت الحماية المؤقتة للملايين.
أهمية عودة اللاجئين السوريين الى بلدهم
أثرت الهجرة الجماعية لسوريين الى تركيا بشكل كبير على المجتمع والاقتصاد التركي، بينما كانت الاستجابات الأولية من المواطنين الأتراك متعاطفة إلى حد كبير مع السوريين، إلا أن الطابع الممتد للأزمة أدى إلى استنزاف حسن النية العامة لدى الاتراك زادت الاختلافات الثقافية، والمنافسة الاقتصادية المتصورة، وتحديات الاندماج من تعقيد العلاقات بين اللاجئين والمجتمعات المضيفة. وشهدت مدن رئيسية مثل إسطنبول وأنقرة، وإزمير وغازي عنتاب تصاعد التوترات نتيجة تركز السكان السوريين فيها، اخر هذه التوترات كانت في تموز/ يوليو 2024، وذلك في مدينة قيصري، التي شهدت اعتداءات على المحلات والممتلكات التي تعود الى السوريين، وذلك بعد انتشار شائعات تفيد بأن لاجئ سوري تحرش بطفل، على إثر هذه التطورات كان الرئيس التركي رجب طيب اردوغان قد صرح إن "الخطاب المسموم الذي تتبناه المعارضة أحد أسباب الأحداث المحزنة"، والذي يعكس ان السوريين ووجودهم أصبح واحدة من أهم العوامل التي لها أثر كبير في السياسة الداخلية التركية.
مع تزايد البطالة والتضخم في تركيا، أصبح موضوع اللاجئين حديث السياسيين بشكل كبير حتى يمكن القول انه قد إثر بشكل كبير على نتائج الانتخابات الرئاسية (2023، فاز فيه اردوغان في الجولة الثانية) والمحلية (البلدية)، وذلك من خلال زيادة شعبية الأحزاب (المعارضة) التي دعت الى ارجاع السوريين الى بلدهم. حتى ان حزب الشعب الجمهوري (العلماني) قد فاز برئاسة اغلب البلديات في تركيا بما فيها المدن الكبيرة إسطنبول، انقرة، ازمير، وانطاليا، وكان للخطاب المعارضة المناهض لبقاء السوريين في تركيا دور مهم في التأثير على نتائج الانتخابات مع تفاقم الأوضاع الاقتصادية. ومن المنتظر ان يستمر الخطاب السياسي المناهض لبقاء السوريين في سوريا، وذلك بعد انهيار حكم حزب البعث في سوريا، اذ لم تعد مبررات حكومة حزب العدالة والتنمية بعدم الاستقرار الأوضاع الأمنية في سوريا وظلم نظام الأسد موجودة.
في الفترة القادمة يوفر اللاجئون السوريون فرصة كبيرة لتركيا في بسط نفوذها السياسي، الاقتصادي والأمني على سوريا، حيث ان الاعداد الكبيرة للسورين في تركيا واغلبهم كانوا يربطهم المعارضة لنظام الأسد او المطالبة بالعيش في ظل نظام غير قمعي سوف يكون لهم تأثير سياسي كبير من خلال المشاريع السياسية القادمة. في هذا الإطار يقول أحد أساتذة في جامعة سلطان صباح الدين الزعيم، "أحد طلابي السوريين بدأ بعدم حضور الدروس لكن بعد ذلك علمت بانه أصبح وزير خارجية سوريا"، هذا يدل إمكانية تأثير السوريين في تركيا في مستقبل السياسة السورية في المرحلة القادمة ويظهر مدى عمق القوة الناعمة التركية في ظل حكومة حزب العدالة والتنمية التركية.
سقوط نظام الأسد
مع بدأ عملية ردع العدوان التي بدأتها الجماعات الإسلامية المعارضة المسيطرة على الشمال السوري تحديدا على مدينة ادلب، انهارت القطاعات العسكرية السورية دون مقاومة تذكر، ومما أدى ببشار الأسد الى ترك سوريا، وسيطرة المعارضة بقيادة هيئة تحرير الشام المصنف من قبل كثير من البلدان بما فيها الولايات المتحدة كمنظمة إرهابية على مفاصل الدولة. سيطرة هذه الجماعات التي تربطها بتركيا علاقات قوية الى بدأ مرحلة جديدة من العلاقات السورية التركية، وهذا ما ظهر من خلال زيارة رئيس الجهاز الاستخبارات التركي الى دمشق ووزير الخارجية هاكان فيدان. وهناك حديث عن إمكانية زيارة الرئيس التركي اردوغان الى دمشق الذي كان في بدايات الازمة يصرح عن نيته بالصلاة في المسجد الاموي. بعد زيارة وزير الخارجية التركي هاكان فيدان الى دمشق صرح قائم بالأعمال التركي المؤقت في دمشق برهان كوراوغلو، "اردوغان يفكر بزيارة دمشق"، ويضيف "اتوقع علاقتنا مع سوريا سوف تكون مشابهة بتلك التي كانت قائمة في زمن الدولة العثمانية".
مع بدأ مرحلة جديدة من العلاقات السورية التركية بعد سيطرة المعارضة السورية على البلاد، بدأت التساؤلات والاستعدادات في تركيا حول إمكانية عودة السوريين الى بلدهم. ومع ذلك، تظل التحديات كبيرة، فقد تم تدمير البنية التحتية في سوريا، ويعوق التعافي الاقتصادي سنوات من الصراع والعقوبات وفقدان مصادر الإيرادات الرئيسية مثل النفط. يمثل سقوط نظام الأسد نقطة تحول، ولكن إعادة بناء سوريا مستقرة وشاملة يعد أمرًا حاسمًا فيما يتعلق بعودة اللاجئين السوريين في تركيا. ضمان السلامة، وإعادة تأسيس الحكومة قائمة على إرادة الشعب بعيدا عن التطرف وفرض الارادات، وتعزيز المصالحة ستكون ضرورية لتشجيع عودة اللاجئين. بدون هذه الضمانات، قد يتردد العديد من السوريين في العودة، خوفًا من انعدام الأمن والصعوبات الاقتصادية، ودخول البلد في دوامة جديدة من الصراعات او ان يتحول البلد الى نسخة مشابهة لتلك الموجودة في أفغانستان.
السوريون ومساهماتهم في الاقتصاد التركي
رغم التحديات، ساهم اللاجئون السوريون بشكل كبير في الاقتصاد التركي، منذ 2016 يأتي السوريين في رأس القائمة الأجانب الذين يحصلون على تراخيص عمل في تركيا، في عام 2023، حصل 108 ألف سوري ترخيص بالعمل في تركيا من مجموع 239 ألف رخصة صدرت للأجانب في البلد. بالإضافة إلى ذلك، أسس السوريون حوالي 8 الاف شركة في تركيا، ليصبحوا أكبر مجموعة من رواد الأعمال الأجانب. تولد هذه الشركات فرص عمل في تركيا من المتوقع ان وتساهم بدور كبير في تعزيز التجارة بين تركيا وسوريا في المرحلة المقبلة.
ومع ذلك، فإن التوظيف غير الرسمي لمئات الآلاف من السوريين غالبًا ما يقلل الأجور ويخلق توترات مع العمال المحليين. ساهمت هذه الديناميكية، إلى جانب ارتفاع معدلات البطالة بين الشباب في تركيا، في تأجيج الاستياء في بعض المناطق الحضرية. ومع ذلك، أظهر السوريون مرونة وقدرة على التكيف، حيث اندمجوا في بعض قطاعات الاقتصاد التركي وساهموا في التنمية المحلية. يعمل اعداد كبيرة من السوريين في اعمال البناء والزراعة خاصة في اعمال الزراعة الموسمية، حيث يوفر الايدي العاملة الرخيصة مساهمة كبيرة للاقتصاد التركي ولكن في نفس الوقت تخلق منافسة للعمال الاكراد من جنسية التركية الذين كانوا هم من يعملون في البناء بالدرجة الأولى.
عقبات العودة إلى سوريا
رغم أن سقوط نظام الأسد يبعث الأمل في العودة، إلا أن العديد من العقبات ما زالت قائمة. يعاني الاقتصاد السوري من حالة دمار حيث انخفض حجم التجارة الخارجية للبلاد من 29 مليار دولار في عام 2010 إلى 4 مليارات دولار في عام 2023، وذلك بسبب الازمة السورية التي دمرت الصناعة والزراعة وفقدان اغلب حقول النفط للجماعات المسلحة. انخفض إنتاج النفط في سوريا من 383 ألف برميل يوميًا قبل الحرب الأهلية إلى 20 ألف برميل يوميًا في العام الماضي في مناطق التي كانت تحت سيطرة النظام السوري.
الوضع الاقتصادي المنهار في البلد يشكل واحدة من أهم العوامل التي تعيق عودة السوريين في الخارج من العودة الى بلادهم، يزيد غياب البنية التحتية الكافية للإسكان والرعاية الصحية والتعليم من تردد المواطن السوري باتخاذ قرار العودة. يواجه العديد من السوريين، خاصة أولئك الذين ولدوا أو نشأوا في تركيا، حالة من عدم اليقين بشأن مستقبلهم في بلد لم يعودوا يتعرفون عليه. علاوة على ذلك، يمكن أن تعيق الانقسامات الاجتماعية والسياسية في سوريا جهود المصالحة والحوكمة الشاملة، مما يؤخر العودة الآمنة للاجئين.
الفلسفة التي سوف يتم انشاء الدولة السورية (ديمقراطية ام دينية) عليها وطريقة إدارتها لا شك انها سوف تؤثر في قرار السوريين بالعودة من عدمها الى سوريا. من المعلوم ان الشعب السوري لم يكن في زمن حكم البعث تحت حكم الشريعة والذين استقروا وعاشوا فترة ليست بقليلة من الزمن في دولة قائمة على أسس علمانية (تركيا)، سوف يتخذون موقف من انشاء الدولة على أسس الشريعة في البلد. لذلك في حال اذا ما طبق الشريعة في سوريا كثير من السوريين خاصة الشباب والنساء سوف يترددن بالعودة الى سوريا. مع سقوط نظام الأسد في سوريا كان هناك توقعات بعودة اعداد كبيرة من السوريين حتى ان الحكومة التركية اتخذت تدابير في المنافذ الحدودية للتعامل مع سيناريو زخم عودة السوريين، لكن منذ سقوط النظام السوري حتى 24 ديسمبر/ كانون الثاني 2024 لم يعد الى سوريا سوى 25 الف مواطن، واعداد العائدين الى سوريا منذ 2017 الي اليوم بحدود 763 الف سوري. هذا يدل على ان هناك رغبة لدى السوريين بالعودة وفي نفس الوقت هناك خوف من المستقبل خاصة في ظل سيطرة منظمة هيئة تحرير الشام الإسلامية المتشددة على الحكم في سوريا. عمليات الانتقام التي تقوم بها الجماعات المسلحة في المناطق ذات كثافة سكانية عالية من العلويين ومضايقات التي يقوم بها افراد هذه الجماعات ضد المواطنين السوريين من المسيحيين او من الطوائف الغير السنية، لا تبشر بسوريا تنعم بسلام وامان يكون العيش وبناء المجتمع على أساس المواطنة. كل هذه الأمور سوف تكون مؤثر على عودة السوريين المهجر.
خطط الحكومة التركية لإعادة اللاجئين
أكدت الحكومة التركية على أهمية تسهيل عودة اللاجئين السوريين، يشمل ذلك التعاون مع القيادة السورية الناشئة لتحقيق الاستقرار وإعادة بناء البنية التحتية. تتضمن الخطط بناء مساكن ودعم الاقتصادات المحلية في سوريا لتشجيع العودة الطوعية. هناك كثير من المعوقات والمشاكل القانونية التي سوف تواجه السوريين العائدين الى تركيا، حيث ان اعداد كبيرة منهم ضاع منهم الوثائق الرسمية السورية خلال تلك الفترة وان المعلومات المسجلة عندهم موجودة لدى الحكومة التركية، دائرة الهجرة والمهجرين. عودة هؤلاء الناس الى سوريا سوف يتطلب ان يكون هناك تنسيق كبير بين الحكومة السورية الجديدة والحكومة التركية. ومن اجل تسهيل عودة السوريين صرح وزير الداخلية التركي علي يرلي كايا، من اجل ان نقل هذه المعلومات واستخدامه في سوريا سوف يتم تأسيس مكاتب خاصة لهذا الغرض في كل من القنصلية التركية في دمشق وحلب.
دور المجتمع الدولي
يلعب المجتمع الدولي دورًا محوريًا في ضمان حل ناجح لأزمة اللاجئين السوريين، يعد الدعم المالي واللوجستي لإعادة الإعمار في سوريا أمرًا ضروريًا لتهيئة الظروف المواتية للعودة. بالإضافة إلى ذلك، يمكن للمنظمات الدولية المساعدة في مراقبة أوضاع حقوق الإنسان وضمان العودة الآمنة والطوعية. هلال الأحمر التركي حتى يقدم الخدمات الى السوريين فتح فرع في دمشق ومتوقع ان يفتح له فرع اخر. لكن الدعم الغربي الإنساني سوف يكون مهما في المرحلة المقبلة لعودة المهجرين من سوريا، وذلك من خلال المساهمة في توفير السكن، التعليم والصحة وغيرها من الخدمات التي تعتبر أساسية.
تتطلب الدول المضيفة للاجئين السوريين، بما في ذلك تركيا، استمرار المساعدة لتخفيف الضغوط الاجتماعية والاقتصادية الناجمة عن النزوح المطول. تعد المسؤولية المشتركة والتضامن العالمي أمرين حاسمين لمعالجة هذه الأزمة بشكل شامل. هنا يظهر الدور الأمريكي أكثر تأثيرا على قرار رجوع السوريين الى بلدهم وذلك من خلال رفع العقوبات الاقتصادية المفروضة على سوريا وذلك لإنقاذ الاقتصاد السوري المنهار. سيطرة الدولة السورية على كافة الأراضي وحقول النفط ورفع العقوبات عن تصدير النفط السوري سوف يساهم بشكل كبير في بناء اقتصاد البلد، النفط كان يشكل ثلثي الصادرات البلد قبل بدأ الأزمة في عام 2011.
الخلاصة
تركت الأزمة السورية وتداعياتها آثارًا لا تمحى على تركيا، حيث قدمت تحديات وفرصًا على حد سواء. في حين أن اللاجئين السوريين ساهموا في الاقتصاد التركي، إلا أن بقائهم المطول قد أثر على التماسك الاجتماعي والموارد. يوفر سقوط نظام الأسد بصيصًا من الأمل، ولكن يجب التغلب على عقبات كبيرة لتمكين العودة الآمنة والطوعية للاجئين، خاصة تلك العقبات التي تخص الامن وطريقة إدارة البلد، ورفع العقوبات المفروضة على سوريا.
سيكون لتركيا دورة محوري في بناء سوريا الجديدة. المصالحة الوطنية في سوريا، وضع دستور للبلاد، ودعم التعافي الاقتصادي من خلال المنح الدولية ورفع العقوبات الدولية المفروضة على سوريا سوف تساهم بشكل كبير في العودة الطوعية للسوريين الى بلدهم. ومن المتوقع ان يقوم تركيا بدور كبير في سبيل حل المشاكل المذكورة، لان عودة اللاجئين السوريين بسبب الحرب الاهلية سوف يخدم المصالح التركية السياسية في سوريا والمنطقة، ويرفع من كاهل الاقتصاد التركي عبئا كبيرا، بالإضافة الى ان حكومة حزب العدالة والتنمية التركية يمكن ان تستعيد جزء من رصيدها الشعبي الذي فقدها في الانتخابات الأخيرة بسبب التدهور الاقتصادي والعبء الذي كان يشكله اللاجئون. الى جانب كل ما تقدم من المتوقع ان يكون سوريا واحدة من أهم البلدان للاستثمارات التركية خاصة في مجال البناء الذي يعتبر تركيا متقدما فيه.
باحث واكاديمي